السيد محسن الأمين
64
أعيان الشيعة ( الملاحق )
شيء من اعمال بني آدم أخرجه أبو داود وغيره وفيه مسائل ( الأولى ) تفسير قوله تعالى : ( وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) ( الثانية ) ان هذه العلوم وأمثالها باقية عند اليهود الذين في زمنه ( ص ) لم ينكروها ولم يتاولوها ( الثالثة ) ان الحبر لما ذكر ذلك للنبي ( ص ) صدقه ونزل القرآن بتقرير ذلك ( الرابعة ) وقوع الضحك منه ( ص ) لما ذكر الحبر هذا العلم العظيم ( الخامسة ) التصريخ [ التصريح ] بذكر اليدين وان السماوات في اليد اليمنى والأرضين في الأخرى ( السادسة ) التصريح بتسميتها الشمال انتهى . وهو صريح في إثبات جهة الفوق لله تعالى والاستواء على العرش الذي هو فوق السماوات والأرض وإثبات المحبة والرحمة والرضا والغضب وإثبات اليدين والأصابع واليد اليمنى واليد الشمال والكف له تعالى كلها بمعانيها الحقيقية من دون تأويل ونسبة الأشعرية الذين يؤلونها إلى التعطيل وهو عين التجسيم الذي أطبق المسلمون على كفر معتقده لاستلزامه التركيب والتحيز والوجود في جهة دون جهة وكل ذلك يستلزم الحدوث كما قرر في محله ويلزم من إثبات المحبة والرحمة والرضا والغضب بمعانيها الحقيقية وهي ميل القلب ورقته وعدم هيجان النفس وهيجانها كونه تعالى محلا للحوادث الموجب حدوثه كما علم من علم الكلام مع أن حديث حبر اليهود عليه لا له فان الضحك لم يكن لتصديق قول الحبر كما توهم بل للرد عليه فهو ضحك تعجب من نسبة ذلك اليه تعالى مع بطلانه في العقول ويدل عليه قراءته ( ص ) وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ اي ما قدروه حق قدره بنسبتهم اليه الجسمية والأعضاء . واما اتباع محمد بن عبد الوهاب فأثبتوا لله تعالى جهة العلو والاستواء على العرش والوجه واليدين والعينين والنزول إلى سماء الدنيا والمجيء والقرب وغير ذلك بمعانيها الحقيقية . ( ففي الرسالة الرابعة ) من الرسائل الخمس المسمى مجموعها بالهدية السنية « 1 » لعبد اللطيف حفيد محمد بن عبد الوهاب عند ذكر بعض اعتقادات الوهابية وانها مطابقة لعبارة أبي الحسن الأشعري قال : وان الله تعالى على عرشه كما قال : ( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ) وان له يدين بلا كيف كما قال : ( لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ) وان له عينين بلا كيف وان له وجها كما قال ( وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ) وقال « 2 » ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله ( ص ) ان الله ينزل إلى سماء الدنيا فيقول هل من مستغفر ( إلى أن قال ) ويقرون ان الله يجيء يوم القيامة كما قال ( وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ) وانه يقرب من خلقه كيف شاء كما قال : ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) ( وفي الرسالة الخامسة ) لمحمد بن عبد اللطيف المذكور « 3 » ونعتقد ان الله تعالى مستو على عرشه عال على خلقه وعرشه فوق السماوات قال تعالى : ( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ) فنؤمن باللفظ ونثبت حقيقة الاستواء ولا نكيف ولا نمثل قال امام دار الهجرة مالك ابن انس وبقوله نقول وقد سأله رجل عن الاستواء فقال الاستواء معلوم والكيف مجهول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة ( إلى أن قال ) فمن شبه الله بخلقه كفر ومن جحد ما وصف به نفسه فقد كفر ونؤمن بما ورد من أنه تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر 64 فيقول إلخ ( ونقول ) يلزم من ذلك أحد أمرين التجسيم أو القول بالمحال وكلاهما محال لأن حصول حقيقة الاستواء مع عدم الكيف محال بحكم العقل ومع الكيف تجسيم فلا بد من التأويل والمجاز والقرينة العقل ( ومنه تعلم ) ان الكلام المنسوب إلى الامام مالك لا يكاد يصح وحسن الظن به يوجب الريبة في صحة النسبة اليه وذلك لأن قوله الاستواء معلوم ان أراد انه معلوم بمعناه الحقيقي فهو ممنوع بل عدمه معلوم بحكم العقل باستحالة الجسمية عليه تعالى واستحالة الاستواء الحقيقي بدون الجسمية وان أراد بالمعنى المجازي فلا يصلح شاهد لقوله نثبت حقيقة الاستواء ولا يكون السؤال عنه بدعة ولا يلزم الكيف حتى يقال إنه مجهول ثم كيف يكون السؤال بدعة والتصديق بالمجهول محال وان أراد انا نؤمن به على حسب المعنى الذي اراده الله تعالى منه وان لم نعلمه تفصيلا فإن كان يحتمل انه أراد حقيقة الاستواء ففاسد لما عرفت من استحالته بحكم العقل وان كان الترديد بين المعاني المجازية فقط فأين حقيقة الاستواء التي أثبتناها وإذا كان قول الإمام مالك عند هؤلاء قدوة وحجة في مثل هذه المسألة الغامضة فلم لم يقتدوا بقوله فيما هو أوضح منها وأهون وهو رجحان استقبال القبر الشريف والتوسل بصاحبه عند الدعاء حسبما امر به مالك المنصور فيما مرت الإشارة اليه ( وكذا ) الاعتقاد باليدين والعينين والوجه بدون الكيف فان كانت بمعانيها الحقيقية لزم اعتقاد المحال لاستحالة المعاني الحقيقية بدون الكيف ومع الكيف يلزم التجسيم فلا بد من المجاز والتأويل والقرينة حكم العقل وكذا الاعتقاد بأنه تعالى ينزل إلى سماء الدنيا ويجيء يوم القيامة ويقرب من خلقه ان كان بمعانيها الحقيقية لزم التجسيم فلا بد من المجاز والتأويل لعين ما مر ( قوله ) فمن شبه الله بخلقه كفر ( قلنا ) إثبات حقيقة هذه الأشياء له هي تشبيه له بخلقه فتكون كفرا لعدم إمكان إثباتها بدون التشبيه كما عرفت ( قوله ) ومن جحد ما وصف به نفسه فقد كفر ( قلنا ) جحود الصفة والإقرار بها حكم عليها والحكم على الشيء فرع معرفته فيلزم أولا ان نعرف ما أريد بهذا اللفظ هل هو معناه الحقيقي أو المجازي لنعرف ما وصف به نفسه فنقر به وإذا كان المعنى الحقيقي يستحيل ارادته كما بينا فلا يكون مما وصف به نفسه فلا يكون جحوده كفرا وما أشبه هذا بقول النصارى الأب والابن وروح القدس اله واحد فإنه إذا قيل لهم كيف تكون الثلاثة واحدا قالوا هذا شيء فوق العقل ولم يعلموا ان ما هو فوق العقل لا يمكن للعقل ان يذعن به . ومن هنا تعلم فساد ما حكي عن محمود شكري الآلوسي في تاريخ نجد من أن الوهابيين يقرون آيات الصفات والأحاديث على ظاهرها ويكلون معناها إلى الله تعالى انتهى فان إقرارها على ظاهرها يناقض ايكال معناها إلى الله كما هو واضح بل ايكالها اليه تعالى عبارة عن التوقف وعدم الحكم ببقائها على ظاهرها . اما قول عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية « 4 » انه لا يلزم ان نكون وان قلنا بجهة العلو لأن لازم المذهب ليس بمذهب ففيه ان كون لازم المذهب ليس بمذهب ان صح فمعناه ان من ذهب إلى القول بشيء لا يجب ان يكون قائلا بلازمه الا انه إذا كان هذا اللازم باطلا كان ملزومه الذي ذهب اليه باطلا لأن بطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم والا لبطلت الملازمة فمن قال بجهة العلو وان لم يقل
--> ( 1 ) ص 97 . ( 2 ) ص 99 . ( 3 ) ص 105 طبع المنار بمصر . ( 4 ) صفحة 45 .